في الثالث من سبتمبر/أيلول من كل عام تحتفل منظمة التعاون الإسلامي بيوم الشباب. وفي العادة تمر هذه المناسبات ككثير من الأيام الدولية: كلمة، وصورة جماعية، وبيان. لكن ما جرى هذا العام في مقر الأمانة العامة في جدة كان أقرب إلى ورشة منه إلى احتفال؛ دورة تدريبية عنوانها "الشباب والدبلوماسية الثقافية وتنمية مهارات القيادة"، جمعت في يوم واحد وزارة الرياضة السعودية وصندوق التضامن الإسلامي واتحاد وكالات الأنباء "يونا" ومجمع الفقه الإسلامي الدولي والهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان، ومعهم خبراء وشباب من الدول الأعضاء حضوريا وافتراضيا.
خصصنا هذا العدد للدورة، لأن السؤال الذي دارت حوله كبير وهو: كيف يستطيع شاب أن يكون حاضرا في مجتمعه، وقادرا في الوقت نفسه على التواصل مع مجتمعات تختلف عنه في الثقافة والتجربة؟
هل تكفي دورة في جدة لتحويل "قادة المستقبل" إلى صناع للحاضر؟
يتكرر في خطاب المنظمات الدولية وصف الشباب بأنهم "قادة المستقبل"، غير أن جزءا من هذا الدور لم يعد مؤجلا؛ فمحتوى ينشره شاب من مدينة صغيرة قد يصل إلى جمهور خارج بلده في دقائق، وفكرة تبدأ بين عدد محدود من الأشخاص قد تتحول إلى مبادرة، ونقاش واحد يستطيع أن يجمع تجارب جاءت من مجتمعات مختلفة. من هذه المسافة بين الوصف والواقع انطلقت دورة "الشباب والدبلوماسية الثقافية وتنمية مهارات القيادة" التي استضافتها الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي في جدة، الخميس 3 سبتمبر/أيلول 2026، بالتزامن مع "يوم منظمة التعاون الإسلامي للشباب" الذي تحتفل به المنظمة في هذا التاريخ من كل عام تنفيذا لقرار من مجلس وزراء الخارجية.
ولم تأت الدورة من فراغ، إذ تنفذ قرارا اعتمدته الدورة الحادية والخمسون لمجلس وزراء الخارجية في إسطنبول في يونيو/حزيران 2025، وأعدت ورقته المفاهيمية الأمانة العامة بالتنسيق مع الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا ومركز "سيسرك"، فيما جاء تنظيمها بالشراكة مع صندوق التضامن الإسلامي، وفي إطار رئاسة المملكة العربية السعودية للمؤتمر الإسلامي لوزراء الشباب والرياضة. وافتتحها الأمين العام إسماعيل ولد الشيخ أحمد بكلمة ألقاها نيابة عنه السفير طارق علي بخيت، الأمين العام المساعد للشؤون الإنسانية والثقافية والاجتماعية، ثم توالت المداخلات في جلسة تمهيدية ومحاضرتين وثلاث جلسات حوارية.
وفي الجلسات، ارتبطت القيادة بالقدرة على الحوار وصناعة المبادرات، وارتبط الإعلام بالصورة التي يصنعها الشباب عن مجتمعاتهم أمام الآخرين، فيما امتد الحديث إلى الوعي والذكاء الثقافي والعمل المجتمعي وحقوق الإنسان. ومع اختلاف المسارات، اجتمعت حول سؤال واحد: كيف يستطيع الشاب أن يكون حاضرا في مجتمعه، وقادرا في الوقت نفسه على التواصل مع مجتمعات تختلف عنه في الثقافة والتجربة؟ وتبدو هذه الموضوعات منفصلة في جدول البرنامج، ثم تجتمع عندما يواجه الشاب موقفا فعليا؛ فقد يحتاج الموقف نفسه إلى قيادة في اتخاذ القرار، ووعي بالسياق، وقدرة على التواصل في الوقت ذاته. ومن هنا تأتي قيمة جمع المسارات في برنامج واحد، ومن هنا أيضا جاء ترتيب هذا الملف: مادة لكل متحدث، بترتيب حضوره في الدورة.
يشكل الشباب نحو 19.9 بالمئة من إجمالي سكان الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، ويتوقع أن ترتفع النسبة إلى 27.3 بالمئة بحلول عام 2070. وتستضيف دول المنظمة أكثر من 28 بالمئة من شباب العالم، وهي حصة يتوقع أن تبلغ 30.7 بالمئة بحلول 2030، وأن تتجاوز الثلث بحلول 2050.
المؤشر الأول يقيس نسبة الشباب داخل سكان الدول الأعضاء، والثاني حصة هذه الدول من شباب العالم؛ ولذلك يقرأ كل منهما في سياقه. المصدر: تقرير "سيسرك" الدوري حول وضع الشباب في الدول الأعضاء، وتوقعات الأمم المتحدة السكانية.
رحبت الدورة الحادية والخمسون لمجلس وزراء الخارجية (إسطنبول، يونيو/حزيران 2025) بمشروع البرنامج التدريبي (القرار 51/4-ث)، وشجعت مؤسسات المنظمة على استضافته في مجموعاتها الجغرافية الثلاث. نظمته إدارة الشباب والرياضة بالأمانة العامة بالشراكة مع صندوق التضامن الإسلامي، وبالتنسيق مع "سيسرك"، وبالتعاون مع وزارة الرياضة السعودية رئيسة المؤتمر الإسلامي لوزراء الشباب والرياضة منذ دورته الخامسة في جدة عام 2022. انعقد في مقر الأمانة العامة في جدة، حضوريا وافتراضيا، بلغات عمل ثلاث: العربية والإنكليزية والفرنسية.

في كلمة الافتتاح، وضع إسماعيل ولد الشيخ أحمد الدبلوماسية الثقافية للشباب في خانة "أداة العمل" لا "الترف الفكري"
افتتح الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد الدورة بكلمة ألقاها نيابة عنه السفير طارق علي بخيت، الأمين العام المساعد للشؤون الإنسانية والثقافية والاجتماعية، ربط فيها بين مناسبة اليوم وجوهر الدورة؛ فيوم منظمة التعاون الإسلامي للشباب، الذي تحتفل به المنظمة في الثالث من سبتمبر/أيلول من كل عام تنفيذا لقرار من مجلس وزراء الخارجية، جاء هذا العام على هيئة دورة تدريبية تنظمها الأمانة العامة برئاسة وزارة الرياضة السعودية، رئيس المؤتمر الإسلامي لوزراء الشباب والرياضة، وبالتنسيق مع صندوق التضامن الإسلامي وأجهزة المنظمة ومؤسساتها. واستهل الأمين العام كلمته بتقدير "الدعم السخي والمستمر" الذي تقدمه المملكة العربية السعودية،
دولة المقر، للمنظمة وللعمل الإسلامي المشترك، وجهودها "الدؤوبة" في تنفيذ قرارات الدورة الخامسة للمؤتمر، وبشكر صندوق التضامن الإسلامي على "مساهمته المالية والتقنية" في عقد الدورة.
ثم توجه الأمين العام إلى الشباب مباشرة بالأرقام: "إنكم تمثلون اليوم أكثر من 28 بالمئة من سكان الدول الأعضاء، ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلى 30.7 بالمئة بحلول 2030". وأضاف: "وهذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل هو وعد بالمستقبل، ومسؤولية كبيرة نضعها بين أيديكم". وأوضح أن المنظمة أولت قضايا الشباب اهتماما كبيرا "انطلاقا من إيمانها بأن تمكينكم هو السبيل لبناء السلام والأمن والتنمية المستدامة في عالمنا الإسلامي"، وأن الدورة تأتي تنفيذا لقرار الدورة الحادية والخمسين لمجلس وزراء الخارجية الذي رحب بمشروع البرنامج التدريبي.
أداة عمل
وفي صلب الكلمة، رفض الأمين العام النظر إلى الدبلوماسية الثقافية للشباب بوصفها "ترفا فكريا"، واصفا إياها بأنها "أداة عمل لتنمية قدراتكم على بناء الجسور، وتعزيز الحوار، ومواجهة الأفكار الضالة والتطرف العنيف، ونشر قيم التسامح والاعتدال التي يزخر بها ديننا الحنيف"، وبأنها "مهارات قيادية تمكنكم من المساهمة الفاعلة في تنمية مجتمعاتكم وحمايتها". واستعرض ما تقدمه جلسات الدورة: الإطار القانوني والمؤسساتي لعمل المنظمة "وواقعها ومستقبلها"، والتجارب الرائدة لبعض الدول الأعضاء، وجهود مؤسسات المنظمة من البنك الإسلامي للتنمية وصندوق التضامن والكومسيك والكومستيك والإيسيسكو وإرسيكا والكومياك ومنظمة تنمية المرأة والهيئة الدائمة لحقوق الإنسان إلى اتحاد وكالات الأنباء ومجمع الفقه الإسلامي الدولي والاتحاد الرياضي للتضامن الإسلامي ومنتدى شباب التعاون الإسلامي. وحدد الهدف بجملة واحدة: "أن نمنحكم من خلال الدورة التدريبية الأدوات والمعارف والشبكات التي تحتاجونها".
وعدد الأمين العام أهداف الدورة كما وردت في ورقتها المفاهيمية: تدريب الشباب وتعزيز قدراتهم حول الدبلوماسية الثقافية وتنمية المهارات القيادية، وإتاحة الفرصة لهم لمناقشة القضايا المتعلقة بتمكينهم، وتعريفهم بجهود المنظمة في هذا المجال، وتعزيز قدرتهم على الصمود تجاه التحديات المعاصرة، وإكسابهم مهارات الدبلوماسية الثقافية وحل المشكلات والذكاء الثقافي.
ولم تخل الكلمة من البعد السياسي؛ إذ سلط الأمين العام الضوء، قبل الختام، على "معاناة الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي الغاشم"، وحث الشباب على "مضاعفة جهودكم لتوعية المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه الشعب الفلسطيني اتساقا مع قرارات الشرعية الدولية". وختم بدعوة المشاركين إلى اغتنام الفرصة "لتكونوا سفراء للتغيير الإيجابي في بلدانكم".

رئيس الجلسة يرى في القيادة مهارة تكتسب بالحوار والتواصل وصناعة المبادرات
من موقع الرئاسة السعودية للمؤتمر الإسلامي لوزراء الشباب والرياضة، ترأس أحمد سلمان الغملاس، الوكيل المساعد لشؤون الشباب بوزارة الرياضة في المملكة العربية السعودية، جلسة الدورة، وقدم فيها قراءته لدلالة عنوانها. فاختيار موضوع "الدبلوماسية الثقافية للشباب وتنمية مهارات القيادة"، في رأي الغملاس، "يعكس أهمية الدور الذي يؤديه الشباب في تعزيز الحوار والتفاهم بين الشعوب، ومد جسور التواصل بين الثقافات، وترسيخ قيم الاحترام والتعايش". وأشار إلى أن ما يشهده العالم من تحولات متسارعة "يضاعف أهمية الاستثمار في قدرات الشباب، وتنمية مهاراتهم القيادية، وتمكينهم من الأدوات التي تساعدهم على الحوار والتواصل وصناعة المبادرات، ليكونوا أكثر قدرة على التأثير وأكثر إسهاما في تنمية مجتمعاتهم".
وتظهر في طرح الغملاس نظرة إلى القيادة بوصفها مهارة تكتسب في مواقف عملية، لا صفة تمنح بالتعيين؛ إذ ركز على ثلاث مساحات عملية لبناء قدرات الشباب هي الحوار والتواصل وصناعة المبادرات، وربط تبادل التجارب بين الدول الأعضاء بإتاحة نماذج مختلفة يمكن لكل مجتمع أن يستفيد منها بما يناسب احتياجاته.
تبادل التجارب
وأكد الغملاس أن البرنامج التدريبي "يمثل فرصة مهمة لتبادل التجارب والخبرات بين الدول الأعضاء، واستعراض المبادرات والجهود في مجال الدبلوماسية الثقافية وتمكين الشباب، وصولا إلى رؤى ومبادرات تعزز دورهم وتسهم في تطوير العمل الشبابي الإسلامي المشترك"، لافتا إلى أن ذلك يتسق مع تركيز البرنامج على استعراض تجارب الدول الأعضاء وجهود مؤسسات المنظمة في هذا المجال. ويأتي هذا الطرح امتدادا لما أكدته الدورة الخامسة للمؤتمر الإسلامي لوزراء الشباب والرياضة، التي استضافتها المملكة في سبتمبر/أيلول 2022، من حاجة إلى بناء قدرات الشباب وتعزيز مشاركتهم في القطاعات الحيوية للنمو الاقتصادي والتنمية الثقافية وبناء السلام والأمن.
وبمناسبة اليوم العالمي للشباب الإسلامي، أعرب الغملاس عن الفخر "بما يقدمه شباب الدول الأعضاء من إنجازات وقصص واعدة تعكس شغفهم وقدراتهم، وتتوافق مع الرؤى المستقبلية لبلدانهم"، وتطلع إلى أن تسهم نقاشات البرنامج في تعزيز التعاون "وفتح آفاق أوسع أمام شباب الدول الأعضاء للقيادة والمشاركة والتأثير".

أبا الخيل يضع الشباب في المرتبة الخامسة بين أهداف الصندوق منذ 1974، ويرى أن بناء القيادات لا يتم بالتدريب وحده
حضر صندوق التضامن الإسلامي الدورة بصفتين: شريكا في تنظيمها وتمويلها، ومتحدثا فيها. وقد استهل مديره التنفيذي محمد بن سليمان أبا الخيل كلمته بتوصيف الشباب بأنهم "الركيزة الأساسية في بناء المجتمعات ونهضتها وصناعة مستقبلها"، وطاقة المجتمع المتجددة والقوة القادرة على توظيف أدوات العصر وتقنياته في خدمة التنمية وتعزيز التواصل بين الشعوب والثقافات".
وأوضح أن تنظيم البرنامج يأتي استجابة لتوصيات وقرارات المؤتمرات الوزارية التي عقدت في جدة ونواكشوط وإسطنبول، وأنه "يجسد قيمة الشراكة الحقيقية" بين الصندوق وإدارة الشباب والرياضة بالأمانة العامة.

في الجلسة الثالثة، المخصصة لجهود أجهزة المنظمة في الدبلوماسية الثقافية للشباب، تحدث محمد بن عبدربه اليامي، المدير العام لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي "يونا"، ضمن محور "الدبلوماسية الثقافية للشباب: التحديات والآفاق".وانطلق اليامي من تحول يراه حاسما: "الدبلوماسية اليوم لم تعد محصورة في التواصل الرسمي بين الحكومات، بل أصبحت المجتمعات والأفراد، وبخاصة الشباب، جزءا أساسيا من صناعة الصورة وبناء العلاقات بين الشعوب". فمع الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، "بات بإمكان شاب يحمل هاتفا ذكيا أن ينقل ثقافة بلاده وقيم مجتمعه إلى ملايين الأشخاص حول العالم"؛ ومن هنا تبرز، في رأيه، أهمية الدبلوماسية الثقافية والإعلامية للشباب، حيث يكون الإعلام وسيلة للتواصل "فيما تمثل الثقافة الإطار القيمي والفكري للرسالة". ووصف شباب العالم الإسلامي بأنهم "قادة الغد"، والأكثر قدرة على توظيف أدوات العصر وتقنياته "للوصول إلى الآخر والتأثير فيه".

أوضح أبنعوف أن حماية الشباب من الأفكار المنحرفة والتطرف تمثل أولوية، محذرًا من مخاطر الشبهات والشهوات على الفكر والأخلاق.
واستعرض قرارات المجمع في تحريم الإرهاب والعنف، وضبط مفهوم الجهاد والتأكيد على أن الأصل في العلاقات هو السلم.
كما أكد أهمية ترسيخ التسامح والوسطية والاعتدال في المناهج والخطاب الديني ووسائل الإعلام.
وأشار إلى استعداد المجمع لطرح موضوع «فقه التعايش في الإسلام» ضمن أعمال دورته السابعة والعشرين في ماليزيا.
وشدد على أهمية آداب الحوار، واحترام المخالف، ونبذ التعصب، والجدال بالحسنى.
وأكد دور الدبلوماسية في تعزيز القيم والأخلاق وترسيخ الحوار والتسامح والتعايش.
ودعا إلى تكامل الجهود العلمية والفكرية والثقافية والسياسية لمواجهة العنف والتطرف والتعصب والعنصرية.

أوضح برغوث أن تمكين الشباب يقاس بالأثر لا بكثرة الأنشطة، داعيًا إلى إدماجهم في السياسات والميزانيات.
وشدد على تنمية مهاراتهم القيادية والثقافية والتقنية، وتأهيلهم ليكونوا سفراء لقيم مجتمعاتهم.
وأكد أهمية الانفتاح والتسامح والتعاون والابتكار في ممارسة الدبلوماسية الثقافية.
ودعا إلى توظيف ثراء العالم الإسلامي الثقافي والحضاري في برامج يقودها الشباب.
وأشار إلى أن الدبلوماسية الثقافية تعزز الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والعلمية.
واختتم بالتأكيد على بناء شباب ذوي رؤية حضارية وتفكير استراتيجي وقيم راسخة، قادرين على صناعة المستقبل.
